ابراهيم بن عمر البقاعي
197
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
لَآياتٍ أي على جميع ما جاءت به الرسل عن الخالق ، وزاد الحث على التفكر والتهييج إليه والإلهاب من أجله بقوله : لِأُولِي الْأَلْبابِ * وذكر سبحانه وتعالى في أخت هذه الآية في سورة البقرة ثمانية أنواع من الأدلة واقتصر هنا على ثلاثة ، لأن السالك يفتقر في ابتداء السلوك إلى كثرة الأدلة . فإذا استنار قلت حاجته إلى ذلك ، وكان الإكثار من الأدلة كالحجاب الشاغل له عن استغراق القلب في لجج المعرفة ، واقتصر هنا من آثار الخلق على السماوية لأنها أقهر وأبهر والعجائب فيها أكثر ، وانتقال القلب منها إلى عظمته سبحانه وتعالى وكبريائه أشد وأسرع ، وختم تلك بما هو لأول السلوك : العقل ، وختم هذه بلبه لأنها لمن تخلص من وساوس الشيطان وشوائب هواجس الوهم المانعة من الوصول إلى حق اليقين بل علم اليقين . ولما كان كل مميز يدعي أنه في الذروة من الرشاد نعتهم بما بين من يعتد بعقله فقال : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ أي الذي ليس في خلقه لهما ولا لغيرهما شك ، وله جميع أوصاف الكمال . ولما كان المقصود الدوام وكان قد يتجوز به عن الأكثر ، عبر عنه لهذا التفصيل نفيا لاحتمال التجوز ودفعا لدعوى العذر فقال : قِياماً وَقُعُوداً ولما كان أكثر الاضطجاع على الجنب قال : وَعَلى جُنُوبِهِمْ أي في اشتغالهم بأشغالهم وفي وقت استراحتهم وعند منامهم ، فهم في غاية المراقبة . ولما بدأ من أوصافهم بما يجلو أصداء القلوب ويسكنها وينفي عنها الوساوس حتى استعدت لتجليات الحق وقبول الفيض بالفكر لانتفاء قوة الشهوة وسورة الغضب وقهرهما وضعف داعية الهوى ، فزالت نزغات الشيطان ووساوسه وخطرات النفس ومغالطات الوهم قال : وَيَتَفَكَّرُونَ أي على الأحوال . ولما كانت آيات المعرفة إما في الآفاق وإما في الأنفس ، وكانت آيات الآفاق أعظم لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ غافر : 57 ] . قال : فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ على كبرهما واتساعهما وقوة ما فيهما من النافع لحصر الخلائق فيعلمون - بما في ذلك من الأحكام مع جري ما فيهما من الحيوان الذي خلقا لأجله على غير انتظام - أن وراء هذه الدار دارا يثبت فيها الحق وينفى الباطل ويظهر العدل ويضمحل الجور ، فيقولون تضرعا إليه وإقبالا عليه : رَبَّنا أي أيها المحسن إلينا ما خَلَقْتَ هذا أي الخلق العظيم المحكم باطِلًا أي لأجل هذه الدار التي لا تفصل فيها على ما شرعت القضايا ، ولا تنصف فيها الرعاة الرعايا ، بل إنما خلقته لأجل دار أخرى ، يكون فيها محض العدل ، ويظهر فيها الفصل . ولما كان الاقتصار على هذه الدار مع ما يشاهده من ظهور الأشرار نقصا ظاهرا